الميزان

اخر الأخبار
د. محمد شلبي
د. محمد شلبي

حول إضطرابات البورصات العالمية ونبؤة ازمة مالية جديدة

الخميس 15/فبراير/2018 - 03:32 م

استهلال !

حين اعتزمت كتابة هذه المقالة تذكرت تفصلاً تلك الأيام التى عايشتها قبيل وقوع الأزمة المالية الطاحنة والتى هاجمت الاقتصاد العالمى منذ صيف 2007, حيث طُلِّب منى كتابة بضعة سطور تلخص حالة الإضطراب الواقعة آنذاك, عندما كنت استهل طريقى كمحللا اقتصاديا فى أحد المؤسسات المالية, وتذكرت ما كان حادثاً فى هذا الوقت من حالة فزع اصابت كافة الأوساط المالية والاقتصادية, تذكرت حينما بدأت إرهاصات تلك الأزمة بتعثر كبرى شركات الرهن العقارى بالولايات المتحدة ممثلة فى شركتى "فاني ماي وفريدي ماك" منذ الربع الأول من 2007, وبدأت مؤشرات الأسهم تشهد حالة من التذبذب, إلى أن وصلت الأزمة ذروتها مع الإعلان عن إفلاس أحد أكبر بنوك الاستثمار الأمريكية "ليمان برازرز" فى 14 سبتمبر 2008.  


وبعد عشرة أعوام من الأزمة المالية المُشار إليها "والتى صُنفت كزلزال اقتصادى الأكبر منذ الكساد الكبير 1929", فإننا نعايش فى الوقت الراهن حالة من الإضطراب بالأسواق العالمية تُطرح محل شك لإرهاصات أزمة ماليةٍ جديدة! , غير أن قراءة المشهد الحالى والزعم بإذا ما كان هناك أزمة مُحتملة من عدمه يتطلب منَّأ مناقشةً وتحليلاً شاملاً يتسم بالموضوعية, وهو ما سنحاول طرحه خلال الفقرات القادمة على نحو يخاطب القارىء غير المتخصص قبل المُتخصص.


- ماذا حدث فى الأيام القليلة الماضية ؟


لقد كثُّر الحديث فى الأيام القليلة الماضية عن تكهنات بوقوع ازمة مالية عالمية تحديدًا بعد أن اصابت بورصات الأسهم العالمية داء التراجع, ولحِّق نزيف الهبوط بكافة المؤشرات العالمية بقيادةٍ من مؤشرات الأسهم الأمريكية, فبداية من منتصف يناير الماضى وعلى مدار اسبوعين تقريباً خسر مؤشر داوجونز نحو -8.5% ومؤشر فوتسى -8.8% ومؤشر يورو ستوكس -9.5%, وعلى صعيد البورصات العربية خسِّر مؤشر البورصة المصرية الرئيسى نحو -4.5%, وخسر مؤشر السوق السعودى -3.3% بالتقريب.


ولعل كثرة الحديث عن احتمالات وقوع ازمة مالية عالمية بصورةٍ متزامنه مع هذا التراجع المُشار إليه فى بورصات الأسهم العالمية يأتى فى سياق أحد مُسلمات البحث والتحليل الاقتصادى عن كون مؤشرات الأسهم باروميتر ومرآة الكشف عن وقوع الأزمات المالية والاقتصادية عبر تاريخها فى الأزمنة المُختلفة.


- حول مفهوم الأزمة المالية والاقتصادية وبرهان وقوعها 


ينصرف مفهوم الأزمة المالية على وجه الخصوص إلى حالة من الإضطراب العام فى النظام المالى والذى يُصنَّف بوجهٍ عام على كونه اختلال اقتصادى, ولعلَّ ابرز مشاهد وقوع الأزمة تدنى مستوى الثقة فى الأسواق, وتراجع حاد فى أسعار الأسهم والاتجاه تدريجياً نحو الأصول الأقل مُخاطرة مثل السندات ثمَّ الذهب, فضلاً عن ارتفاع مستوى المديونيات, فى هذه الأثناء يُفترض أن تكون مُعدلات الفائدة عند مستويات مرتفعة, وعبر قنوات مختلفة تتحرك مظاهر الأزمة المالية إلى أزمة اقتصادية حقيقية تعكسها تراجع معدلات النمو الاقتصادى وحجم الإنفاق على الاستثمار, وارتفاع مضطرد فى معدلات البطالة للاقتصاديات الواقع بها الأزمة, وكذا المتأثرة بها


- حتمية ودورية الأزمات المالية والاقتصادية 


تحدث الأزمات المالية والاقتصادية بصورةٍ دورية وحتمية عبر الزمن, بحيث يمكن اعتبار تلك الأزمات ضمن الحالات المرضية التى يعانى منها النشاط الاقتصادى بين الحين والآخر دون توقف عبر الزمن, فالاقتصاد يمرَّض ويصِّح! ويبقى هنا السؤال الأهم, حول تفسير حتمية ودورية وقوع الأزمات المالية والاقتصادية ؟


احاول هنا بشكل يجمع بين التبسيط والموضوعية أوضِّح للقارىء تفسيرًا مُختصرًا لهذه الظاهرة خلال السطور القادمة عبر عنصرين


1- "فكرة التشبع" وفق منطق الاقتصاد السلوكى Behavioral economics   


 2- تحرك النشاط الاقتصادى وفق منطق الاقتصاد الفيزيائى  Econophysics


أما العنصر الأول المتعلق بفكرة التشبع والتى يفسرها فرع الاقتصاد السلوكى فى النظرية الاقتصادية, فتتمثل فى أن شعور أفراد المجتمع الاقتصادى من (مستهلكين, مستثمرين, ومضاربين) تتأرجح بين حالتى التفاؤل والتشاؤم, وأن كلا الحالتين تؤثر بصورةٍ مباشرةٍ وقوية على أداء الأسواق المالية والنشاط الاقتصادى بوجهٍ عام, فحينما تجتاح حالة التفاؤل المجتمع الاقتصادى فإنه يؤدى إلى تحسُّن عام للأداء الاقتصادى, وترتفع مستويات الأرباح للمستثمرين والمضاربين, وبعد فترة من الزمن يُصاب المجتمع الاقتصادى بالتشبع من التفاؤل, ويتولد لدى لديه شىء من الطاقة السلبية والشعور بأن هذا التفاؤل لن يدوم بصورةٍ مُطلقة, ما يدفع بظهور حالة جديدة من التشاؤم مع ابسط التغيرات, ويتجه السلوك الاقتصادى على نحو يتجنب المخاطر, وهو ما يؤدى فى النهاية إلى هبوط مستوى الأداء الاقتصادى واسواق المال, وتبدأ موجة انحصار الأرباح بل وتحقيق الخسائر فى موجة تُعرف بالأزمة


وعلى جانب العنصر الثانى فى تفسير حتمية ودورية الأزمات المالية والاقتصادية, فهو يتعلق بكون النشاط الاقتصادى والمالى يتحرك وفق الطبيعة الكونية وقواعد القانون الطبيعى, وهذا فى إطار أحد افرع النظرية الاقتصادية والمُسمى بالاقتصاد الفيزيائى, وفى هذا تقول الطبيعة الكونية أن دورة المجموعة الشمسية ينتج عنها تعاقب الليل والنهار, وأن هناك دورة زمنية تحكم هذا التعاقب, وبالتالى فإن تعاقب الأزمات الاقتصادية والمالية يُعَّد إنعكاس لظاهرة طبيعية, وهو بدوره ما يجعل البعض يتحدث عن وجود "دورة عشرية" للأزمات المالية, ما يعنى تعرُّض الاقتصاد العالمى لأزمة مالية خلال عشرة أعوام, وقد يدعم ذلك وقوع الأزمات المالية 1987, 1997, 2008, والمحتملة فى 2018.       


- نظرية إقتران الحروب والأزمات الاقتصادية

 

عبر تاريخ الأزمات المالية والاقتصادية, فإن اقتران تلك الأزمات بالحروب العسكرية حول العالم يتخطى كونه ظاهرةً صدفية إلى كونها نظرية شبه مؤكدة, ومع اختلاف التحليلات المفسرة لوقوع الإقتران بين الحروب والأزمات الاقتصادية, فإننا ندعِّى أن الأساس الذى يمكن الإتفاق عليه فى هذا الشأن يرتكز حتماً على حجم المديونيات التى تتخلف عن هذه الحروب لبعض المناطق الاقتصادية, وارتفاع العجز فى الموازنات العامة وميزان المدفوعات, فضلاً عما يتخلف عن الحروب من ارتفاع مستوى المخاطر فى الأسواق وتراجع درجة الثقة لدى المستثمرين.


- هل سيشهد العام الجارى أزمة مالية عالمية


ربما تمنح الفقرات السابقة تحليلاً متواضعاً لحيثيات وديناميكية وقوع الأزمات المالية, ورُبما تمنح هذه الفقرات ايضاً للقارىء بعض من الدلالات التى تُوحى بأرجحية التعرُّض لأزمة مالية جديدة تُسجَّل بين صفحات التاريخ الاقتصادى خلال العام الجارى 2018, ولكن سيظَّل القارىء مُترقباً للسؤال الأهم, والممثل فى إذا ما كان هناك أزمة مالية حقيقية تطرق أبواب الاقتصاد العالمى؟ أم أن حالة الإضطراب الحاصلة سرعان ما ستنحصر دون أن ترقى لمستوى الأزمة الحقيقية, وكأنها زوبعة فنجان؟ّ


إن هناك من الدلالات والمُعطيات التى شهدها الاقتصاد العالمى, ولا زال يشهدها ما يعكس احتمالات وقوع الأزمة المالية الجديدة خلال


1- ارتفاع مؤشرات الأسهم الأمريكية إلى مستويات غير مسبوقة, فقد سجَّل مؤشر داوجونز الرئيسى فى يناير 2016 نحو 16000 نقطة, ليقفز فى يناير 2017 إلى نحو 20000 (أى بزيادة 4000 نقطة تقريباً خلال 12 شهر), ثمَّ قفز فى يناير 2018 إلى نحو 24800 نقطة (أى بزيادة 4800 نقطة فى 12 شهر اخرى), ليقفز مرة أخرى خلال الثلاث أسابيع الأولى من يناير الماضى إلى نحو 26600 (أى بزيادة 2600 نقطة فى 21 يوم تقريباً), وبالتالى فإن بلوغ هذا المستوى من ارباح الأسهم الأمريكية أدعى إلى أن يعاود لموجه هبوط يُطلق عليها الفنيون موجة التصحيح, والتى اسميناها بلغة الاقتصاديين مرحلة التشبع أو قمة الأزدهار


2- استقرار معدل البطالة الأمريكية الآن عند مستوى 4,1% وهو المعدل الأدنى منذ فبراير 2001, وهذا فى حد ذاته يعكس بلوغ النشاط الاقتصادى مستويات قصوى من الإزدهار بعد مزيج سياسات التصحيح التى استخدمتها الولايات المتحدة فى اعقاب ازمة 2008, وهذا التراجع لمعدل البطالة الأمريكية كان الدافع الأقوى لقيام الفيدرالى برفع فائدة الدولار بعد أن بقيت عند 0.25% على مدار سبعة اعوام تقريباً "ديسمبر 2008 : اكتوبر 2015), لتسجل الآن 1.5%, ولازال الفيدرالى مُستمراً فى الاتجاه نحو مزيد فى رفع الفائدة. وبالطبع فإن بقاء فائدة الدولار عند مستوى يقترب من الصفر طيلة سبعة اعوام تقريباً ادى الى إفراط فى الإقتراض الدولارى, وأن العودة فى اتجاه رفع الفائدة يُعَّد دلالة هامة على ارتفاع مستوى المخاطر, كما يُعَّد هذا الارتفاع فى الفائدة احد المؤشرات الهامة لوقوع الأزمات المالية


3- ارتفاع مستوى الدين العالمى فى نهاية 2017 إلى 233 تريليون دولار بزيادة قدرها 16 تريليون دولار مقارنةً بنهاية 2016, وهذا وفقاً لتقرير معهد التمويل الدولي تضمن هذا الرقم ديون الحكومات والشركات المالية وغير المالية بجانب ديون القطاع العائلى.


4- الحروب الدائرة فى منطقة الشرق الاوسط من عام 2011 والتى تشارك فيها قوى اقتصادية كبيرة بصورة غير مباشر, والتى نتج عنها فى السياق ارتفاع مُزمن فى عجز الموازنات العامة للدول الخليجية واتجاه اغلب هذه الدول الى استخدام سياسات شبه تقشفية, فضلا عن الإستدانه الخارجية, ولا شك أن تأرجح الوضع المالى لهذه الدول سيترك أثراً على حجم استثماراتها فى سوق المال العالمية, ورُبما يمتد هذا الأثر باعتبارها مُساهم كبير فى تلك السوق


وفى ضوء ما تقدم, فإنه يمكنَّا الجزم بأن هناك حقائق تدعم احتمالات تعرض الاقتصاد العالمى لموجة من الهبوط فى اداء النشاط الاقتصادى والمالى, ولكن ما نعنيه من موجة هبوط لا تعكس على حد ما نزعُّم أزمة مالية كارثية بالمعنى الذى عايشناه خلال الأزمة الأخيرة 2008, أو أن العام الجارى 2018 سيشهد أزمة طاحنة كما يدعى البعض!


فلا ادنى شك فى ان النظام المالى العالمى برمته قد شهد إعادة تنظيم هيكلية فى اعقاب ازمة 2008 تضمنت العديد من الضوابط الصارمة التى تحكم أداء المؤسسات المالية والمصرفية حول العالم, وهو ما يحول دون وقوع حالة من الإنهيار المالى وقع من قبل


وقبل أن انتهى من هذه المقالة, فأود أن اُلقى بصيص من الضوء على قناعتى بوجود نظرية المؤامرة فى إندلاع الأزمات المالية, وأن إفتعال القوى الاقتصادية العظمى لتلك الأزمات لتحقيق اغراض تتفق مع مصالحها الاستراتيجية أمراً ليس ببعيد عن الواقع الرأسمالى الذى نعايشه


د. محمد شلبى 

محلل وكاتب اقتصادى 

 


إخلاء المسؤولية

المقالات المنشورة على موقع الجريدة تعبر عن آراء كتابها.. ولا تعد توجها أو رأيا يخص الجريدة




ads

إرسل لصديق

ads
ads
كيف تتوقع أن يتعامل البنك المركزي مع أسعار الفائدة؟

كيف تتوقع أن يتعامل البنك المركزي مع أسعار الفائدة؟
Top