الميزان

اخر الأخبار
د. محمد شلبي
د. محمد شلبي

تخفيض الفائدة ... العودة للثقة وبعض الحذر

الجمعة 23/أغسطس/2019 - 11:36 ص

استهلال 


فاجىء المركزى المصرى أمس المجتمع الاقتصادى بإجراء تخفيض لمعدلات الفائدة بواقع 1.5%, وذلك بعد نحو ثمانية عشر شهراً على قراره الأخير بتخفيض معدلات الفائدة 1% فى فبراير 2018, والذى كان قبل أمس هو التخفيض الأوحد مُنذ قرار تحرير سعر الصرف الأجنبى فى نوفمبر 2016, وفى الحقيقة أن المفاجئة فى قرار المركزى أمس كانت لسبب المقدار الذى تمَّ به التخفيض, إضافة إلى طيلة انتظار المجتمع الاقتصادى برمته لهذا القرار, لا سيما مُنذ الأيام الأولى من العام الجارى 2019. 


وبعد أن أصبح قرار تخفيض الفائدة واقعًا حقيقيًا, فإننا الآن بصدد إستقراء تحليلى لأبعاد هذا القرار من كافة زواياه, بداية من دوفع البنك المركزىِّ المصرى لإتخاذ هذا القرار فى هذا التوقيت, مروراً بآثاره المُحتملة سواء على صعيد النشاط الاقتصادى الكلى بوجهٍ عام, أو على مستوى الاستثمار المالى ببورصة الأوراق المالية, هذا بالإضافة إلى التوجهات المُحتملة للمركزى المصرى خلال الفترةِ المُقبلة. 


دوافع المركزى نحو تخفيض الفائدة وأنسبية التوقيت
هناك العديد من الأسباب والدوافع التى بناءً عليها أطمئن المركزى المصرىِّ لإتخاذ قرار تخفيض الفائدة, والتى يمكن تناولها بصورةٍ مبسطة للقارىء على النحو التالى:


1- الإنتهاء من خطة إلغاء دعم المحروقات, فخلال مُستهل يوليو الماضى انقضت الشريحة الأخيرة من خطة الدولة لدعم المحروقات, وهى الخطة التى كانت تشكلِّ العبء الأكبر للضغوط التضخمة فى الاقتصاد المصرى الفترة الماضية, وعليه فقد أطمئن المركزى بشأن استقرار معدلات التضخم, بل ويُضاف إلى ذلك استقرار اسعار النفط العالمى عند مستوى يُقارب الـ 60 دولار ما يُفيد استقرار نسبى للتضخم العالمى.


2- استقرار سعر صرف الجنيه أمام الدولار, فمما لا شك فيه أن قرارات المركزى المصرى برفع معدلات الفائدة بنحو 7% فى اعقاب قرار التعويم, كانت بنسبة كبيرة بهدف دعم العملة المحلية من خلال خلق طلب على الجنيه عبر أوعية ادخارية مختلفة, وعلى ما اعتقد أن المركزى المصرى الآن قد اطمئن على ان سعر الصرف الجنيه اصبح مستقر عن مستواه الحالى, وأن التضخم الناتج من الواردات بالعملة الأجنبيه غير وارد فى هذه المرحلة. 


3- التخوفات من الآثار الإنكماشية, فلعنا نتفق بصورة مُطلقة أن مستويات الفائدة التى شهدتها السوق المصرية الآونة الأخيرة تُعَّد كابحة للاستثمار بكافة جوانبه سواء الاستثمار المباشر أو غير المباشر, بل وتُعَّد بمثابة إنذار للمستثمر الأجنبى بعدم الجرأة فى قرار الاستثمار, وعليه فإن حفز الاستثمار بشقيه المحلى والأجنبى فى حاجه ماسه إلى قرار مثل هذا بتخفيض مُعدلات الفائدة. 


4- الأتجاهات العالمية لتخفيض الفائدة, حيث تشير الإحصاءات أن الشهرين الماضيين شهدت نحو 45 دولة تحركات للفائدة نحو التخفيض, لعل ابرزها تخفيض المركزى التركى لسعر الفائدة بنحو 425 نقطة أساس (من 24% إلى 19.75%), فضلاً عن تخفيض الفيدرالى الأمريكى الشهر الماضى فائدة الدولار بواقع ربع نقطة (من 2.5% إلى 2.25%), ونُضيف شهدت الهند خلال الفترة اربعة تخفيضات للفائدة وروسيا انخفاضين, ولعل هذه الموجه من تخفيضات الفائدة فى العديد من اقتصاديات العالم يأتى فى إطار تخوفات بشأن تباطؤ النمو العالمى جرَّاء التوترات والحروب التجارية الحاصلة بين الولايات المتحدة والصين وتداعياتها على الاقتصاد العالمى.


إذن يمكن ملاحظة أن قرار المركزى جاء بناءً على مجموعة موضوعية من الدوافع, والتى منحت بطبيعة الحال أنسبية الوقت للبنك المركزى اتخاذ هذا القرار.


تخفيض الفائدة والنشاط الاقتصادى الكلى


تُفيد الآثار المُحتملة لقرار تخفيض الفائدة مُجملاً إلى وجود إشارات للعودة إلى الثقة, بينما هناك بعض الحيثيات التى تُلقى بطبيعة الحال ببعضٍ من جوانب الحذر, وعلى سبيل إشارات العودة للثقة فإننا على يقين بأن معدلات الفائدة المرتفعة تتفق بشكل كبير مع ارتفاع معدلات المخاطر, وعليه فإن اتجاه البنك المركزى لتخفيض الفائدة بنحو 1.5% يعطى دلالات على تراجع مخاطر السوق وخلق المزيد من الثقة فى البيئة الإستثمارية والتوسع فى العدد من الخُطط الاستثمارية التى كانت فى حُكم التأجيل, وهنا أعنى المستثمر الأحنبى إلى جانب المستثمر المحلى. وإلى جانب عودة الثقة للبيئة الاستثمارية فإن تراجع معدلات الفائدة يدعم موقف العجز المالى للدولة, حيث أنه من المتوقع أن يؤثر بصورة إيجابية على عبء الدين الخاص بالموازنة العامة الحالية. 

أما على صعيد التخوفات أو جانب الحذر فى شأن تخفيض الفائدة, فإنما يتمثل فى بعض الجوانب ابرزها تحرُّك السيولة الراكدة فى البنوك نحو القطاع العقارى وإلى المعدن النفيس (الذهب), بالإضافة إلى حدوث إفراط فى الإقتراض الموجه نحو الاستهلاك بمعدلات أعلى من الإقتراض الاستثمارى الموجه لقنوات الإنتاج المختلفة. نُضيف إلى تلك التخوفات تراجع العائد على مُدخرات جانب من المودعين الذين كانوا يختبئون فيه من شبح التضخم, والذين بالطبع ليس لديهم خُطط استثمارية بديلة تمنحهم عائد مرتفع.


تخفيض الفائدة والبورصة المصرية


لاشك أن البورصة المصرية تعانى من ضعف السيولة وتدنى الثقة على وجه التحديد خلال العام وربع الماضى, فقد خلالها نحو 250 مليار جنيه من رأسمالها, وخلال الآونة الأخيرة كانت مجتمع البورصة المصرية متعطش بشدة إلى إجراء مثل هذا التخفيض, ومما لاشك فيه أن الحالة المُشار اليها تسبب فيها خروج جانب من سيولة المصريين بالسوق إلى أوعية إدخارية أخرى, لا سيما المؤسسات على وجه الخصوص, وهنا تتلخص وجهة نظرى فى أن هذه المؤسسات ستعاود ضخ سيولة فى سوق الأسهم, وسوف تشهد العديد من المحافظ إنتعاشة من جديد, وسيدعم ذلك شيوع حالة من الطمأنينة والثقة فى مجتمع البورصة المصرية ومستثمريها, وعليه فإننى أؤكد على أن القرار يُعَّد مرحلة قادمة جيدة للبورصة المصرية, ولكنها ليست نهاية المطاف, فالبورصة المصرية تحتاج للمزيد من الإجراءات ومزيد من الثقة فى اعتقادى انها ستحدث تباعاً لهذا القرار لا سيما بعد قيام الحكومة بتنفيذ فعلى وممنهج لبرنامج الطروحات الخاص بها.


روشتة 


بين قناعة بدوافع التخفيض, وجوانبه الإيجابية كما سردنا, وإلى جانب بعض التخوفات فإننا بسدد حالة من عدم اليقين, ولكن من وجهة نظرى الخاصة أن الجوانب الإيجابية لها الأرجحيه, إلا أن الأمر يُعَّد مرهونًا بتنفيذ استراتيجية موسعة تستهدف حفز الاستثمار الإنتاجى بكافة جوانبه, والعمل على تنمية التصنيع الموجه للتصدير ودعم كافة مصادر العملة الأجنبية, هذا بالإضافة إلى الاستمرار فى الإصلاح التشريعى والمؤسسى للاستثمار وأسواق المال. 


وفى النهاية فإن تحركات البنك المركزى المصرى خلال الفترة المُقبلة أعتقد, أنها ستتضمن إجرءات تضمن استقرار سوق الصرف الأجنبى, وإحداث توازنات لتحركات السيولة تجاه بعض القطاعات لا سيما القطاع العقارى, أما عن تخفيضات الفائدة القادمة فأرى أن هناك تخفيضات أخرى حتماً ستحدث لا سيما أن إجمالى التخفيض الذى حدث منذ التعوم حتى الآن هو 2.5% نظير 7% إجمالى رفع الفائدة الذى حدث فى اعقاب هذا التعويم, إلا أن قرار التخفيض القادم سيحتاج إلى بعض الوقت قد يتراوح بين تسعة أشهر إلى عام. 


د. محمد شلبى
 
محلل وكاتب اقتصادى 

ads

إرسل لصديق

ads
ads
ads
كيف ترى القيمة العادلة لأسهم شركة فوري المقرر طرحها في البورصة؟وما هي توقعاتك للطرح؟

كيف ترى القيمة العادلة لأسهم شركة فوري المقرر طرحها في البورصة؟وما هي توقعاتك للطرح؟
Top