الميزان

اخر الأخبار
د. محمد شلبي
د. محمد شلبي

تخفيض الفائدة والبورصة المصرية..بين وجوب التفاؤل وعدم الإفراط

السبت 07/سبتمبر/2019 - 04:22 م

تقديم

بعد أن فاجىء المركزى المصرى المجتمع الاقتصادى خلال اجتماعه الأخير بتخفيض معدل الفائدة بمقدار 1.5% وهو التخفيض الأوحد على مدار الثمانية عشر شهرًا الماضية, وقد أُثير بعضٍ من الجدل حول مدى تأثير هذا القرار المُنتظَّر مُنذ بعيد على تداولات البورصة المصرية, ومدى قدرته استقطاب السيولة التى تدفع بإستعادة الثقة مُجدداً بين اوساط المستثمرين. 


فقد عانت البورصة المصرية ومستثمريها على مدار ما يَقرب من العام ونصف الماضية من ضعف السيولة وأحجام التداول, والذى صاحبه خسائر لرأسمال السوق بنحو 300 مليار جنيه, وقد تسبب فى هذا التدهور العديد من الأسباب المتداخلة كان أبرزها خروج سيولة الأجانب التى استقطبها السوق فى اعقاب قرار التعويم, وارتفاع معدلات الفائدة إلى مستويات قياسية, فضلاً عن مرور السوق بحالة من الترقُّب للطروحات الحكومية, بالإضافة إلى بعض النواحى المؤسسية والإجرائية.


وفى هذا السياق تعطشَّ مجتمع البورصة المصرية إلى أية إجراءات اقتصادية أو تحركات من شأنها دعم الثقة بين أوساط المتداولين واجتذاب السيولة الهاربة من جديد, ويدُّل على ذلك استجابة السوق بصورة إيجابيه فور انتهاء ازمة جلوبال تليكوم وإتمام تسوية ديونها مع مصلحة الضرائب, فضلاً عن تفاعله بصورة أكثر إيجابية مع طرح شركة فورى الأخير, وعليه فإن قرار المركزى بتخفيض الفائدة فى هذه الأجواء وفى هذه المرحلة الاقتصادية يُعَّد احد الاتجاهات الاقتصادية الهامة التى يستوجب أن تنعكس بصورةٍ إيجابية على اداء البورصة المصرية, وخاصة وأننا نتأهب الآن لأحد أكبر برامج الطروحات الحكومية بالبورصة التى أُعلن عنه مٌنذ منتصف 2017, فضلاً عن أننا على اعتاب إسترداد نحو 64 مليار جنيه كان قد تم إستثمارها فى شهادات قناة السويس.


الجدير بالإشارة أن تأثير تغيرات الفائدة لدى الجهاز المصرفى على أداء بورصة الأسهم يتوقف على العديد من المُحددات التى يجب النظر إليها بصورة موضوعية, حيث أن هناك ثمة عوامل تدفع بضرورة التفاؤل حيال أداء البورصة بعد التخفيض الأخير لسعر الفائدة, بينما على الجانب الآخر هناك من العوامل ما يدعوا إلى ضورة عدم الإفراط فى هذا التفاؤل, وهذا ما سنحاول توضيحه للقارىء خلال الفقرات القادمة.

دوافع التفاؤل 


إن ثمة عوامل تدفع بضرورة عودة الثقة لحلقات التداول بالبورصة المصرية, وضرورة إستيعاب المستثمرين سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات للآثار المتتابعة لقرار تخفيض الفائدة وما يتبعه من تخفيضات أخرى متوقعة, ونطرح أبرز هذه العوامل خلال الفقرات التالية, 


* تخفيض الفائدة خطوة فى الطريق تطرق باب التفاؤل:
على الرغم من أن مُعدلات الفائدة السائدة حتى الآن بعد التخفيض الأخير لازالت مرتفعة مقارنةً بمستويات ما قبل تحرير سعر الصرف, إلا أنها خُطوة هامة جاءت بعد فترة زمنية طويلة تعطَّش خلالها مجتمع السوق لمثل هذا التخفيض, وكون بورصات الأسهم تتحرك وفق التوقعات المستقبلية, فإن هذا القرار يعكس أن السياسة النقدية قد شهدت حالة من الإستقرار النسبى, وأن الإتجاهات القادمة ستسير على هذا النهج, وعليه فإن ثمة تخفيضات أخرى سوف يقوم بها المركزى المصرى, ومن ثمَّ فإن هذا القرار لابد وأن يمثِّل قراءة سيكولوجيه جيدة وأن يمنح بعض من الثقة لمجتمع المتداولين, وخاصةً أن الإتجاه نحو تخفيض الفائدة من الناحية الاقتصادية يعكس تراجع مُعدلات مخاطر السوق. 


* القيم السوقية لأسهم البورصة المصرية أقل من قيمها العادلة:


تشير أغلب الدراسات المالية إلى أن أسهم البورصة المصرية يتم تداولها بقيم سوقية أقل من القيِّم العادلة التى حددتها العديد من الدراسات, وأن أغب هذه الأسهم يتم تداولها بمُضاعف ربحية متدنى, وهو ما يُعنى أن أداء البيع الذى شهده السوق خلال الفترة الماضية لا يعكس بموضوعية الموقف المالى لهذه الأسهم, وأنه بمجرد توافر السيولة سيدفع حتماً بأسعار هذه الأسهم, وعليه فإن تخفيض الفائدة فى هذا التوقيت الذى نراه مناسبًا جداً, من شأنه دعم الثقة لدى المستثمرين, لا سيما المستثمرين الوافين الراغبين فى بناء محافظ جديدة. 


* برنامج الطروحات الحكومية والوقت المناسب لجذب سيولة جديدة:


لاشك أن برنامج الطروحات الحكومية والذى من المتوقع أن يكون أكبر برنامج لطرح المؤسسات الحكومية فى تاريخ البورصةِ المصرية يشغل جانب كبير من اهتمام وشغف مجتمع المستثمرين بمختلف انماطهم, وبعد الإعلان هذا البرنامج منذ منتصف العام 2017, وحتى الآن قد تمَّ التأجيل لمرات عديدة, وهنا نرى أن قرار تخفيض الفائدة وقراءة مضامينه قد تعكس أنسبية الوقت الراهن لإطلاق وتنفيذ هذا البرنامج, ولعله تزيد قناعتنا بذلك بعد أن حصلا بنكى الأهلى ومصر الشهر الماضى على ترخيص مزاولة نشاط الترويج وتغطية الاكتتابات بالبورصة المصرية. 


وعليه فإن البدء فى تنفيذ هذا البرنامج, ولو جزئيًا فسوف يدعم جذب سيولة جديدة إلى السوق أو على أقل تقدير إستعادة جانب من السيولة الهاربة من قبل, إلا أن هذا بالطبع سيكون رهن الترويج الجيد لهذه الطروحات. 


* تخفيض الفائدة وانتعاش قطاع العقارات:


ترى الكثير من التحليلات أن قطاع العقارات هو أحد أبرز المُستفيدين من تخفيض الفائدة, وأن القطاع سوف ينتعش المرحلة القادمة, وبناءً عليه فلما لا تستفيد البورصة المصرية من هذا الإنتعاش؟ وخاصة أن هناك نحو 25 شركة مُقيدة بجداول البورصة المصرية فى قطاع العقارات, والذى يُشكِّل فى مُجمله نحو12% من إجمالى رأس المال السوقى للبورصة المصرية, وعليه فإننا نرى أن إنتعاش قطاع العقارات بصورةٍ نسبية من شأنه دعم أداء التداولات بالبورصة المصرية. 


* تخفيض الفائدة وتكلفة التمويل والخُطط الاستثمارية المؤجلة:


لاشك أن مستويات الفائدة المرتفعة تمثِّل عب على تكلفة التمويل المصرفى الذى تعتمد عليه مؤسسات الأعمال, ويدُّل على ذلك أن بيانات المركزى المصرى تؤكد على تراجع حجم الإئتمان الموجه لقطاع الأعمال أثناء مُعدلات الفائدة المرتفعة, وعليه فإننا نتوقع أن الشركات المُقيدة بالبورصة المصرية أخذت على عاتقها تأجيل جانب من الخُطط الاستثمارية لديها, وعليه أيضاً فإن تخفيض الفائدة الأخير سيدعم تشجيع مؤسسات الأعمال لزيادة مستوى الإئتمان الذى تحصل عليه, والسعى نحو تنفيذ بعض من الاستثمارات المؤجلة. 


دوافع عدم الإفراط فى التفاؤل 


إن هناك من العوامل ما يدفع بضرورة عدم العجلة فى الحُكم على تأثير تخفيض الفائدة على أداء بورصة الأسهم المصرية, وعدم الإفراط فى التفاؤل بهذا الشأن, ويمكن تناول هذه العوامل فى السياق التالى/


* تخفيض الفائدة لا يمثل سوى 35% من مستويات ما قبل التعويم:


أبرز هذه العوامل التى نوَّد طرحها هو أن مُعدل الفائدة كان قد تم رفعه فى اعقاب قرار تحرير سعر الصرف بواقع 7%, ومنذ هذا الإجراء لم يتم تخفيض الفائدة سوى مرتين الأولى فى فبراير 2018 بواقع 1%, والثانية والأخيرة حتى الآن خلال الأجتماع الأخير للجنة السياسة النقدية بواقع 1.5%, أى أن إجمالى التخفيض الذى تمَّ بواقع 2.5% وهو لا يُشكِّل سوى 35% تقريباً, وعليه فإن مُعدلات الفائدة السائدة حتى الآن لازالت مرتفعة ولازالت تمثِّل عنصر جذب لشريحة من المدخرين بالعملة المحلية, ولازالت أيضاً تمثِّل عبء على تكاليف التمويل للشركات المُقترضة. 


* حالة عدم التأكد وإهتزاز الثقة حيال السوق:


على الرغم من أن قرار تخفيض الفائدة قد قوبيل بالترحيب من قِبل مجتمع البورصة والمستثمرين, إلا أنه لازال تسود حالة من عدم التأكد وإهتزاز الثقة, ورُبما يرجع ذلك لوجود العديد من التكهنات بإجتذاب قطاع العقارات والمعدن النفيس لجانب كبير من السيولة المتوقع تدفقها, فضلاً عن أن القراءة السيكولوجية للسوق تعتقد فى أن معدلات الفائدة السائدة لازالت مرتفعة. 


* تداعيات الاقتصاد العالمى والحرب التجارية:  


إن من ابرز العوامل التى تدعوا إلى عدم الإفراط فى التفاؤل بقرار تخفيض الفائدة هذه الآونة هو ما يشهده الاقتصاد العالمى من حالة توترات والتى أبرز اسبابها الحرب التجارية الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين, والتى يُشعل تأثيراتها على أسواق المال العالمية تغريدات الرئيس الأمريكيى دونالد ترامب, وكان آخرها الجمعة التالية مباشرةً لقرار المركزى المصرى بتخفيض الفائدة, حيث هبطت مؤشرات البورصات الأمريكية بنسب ترواحت بين (-2.3% إلى -3%).


* تخفيض الفائدة يضغط على أرباح البنوك:  


لا شك أن تخفيض مُعدلات الفائدة وما يتبعه من تراجع عوائد أذون الخزانة وأدوات الدين الحكومية, قد يؤثر سلباً على نتائج أعمال البنوك خلال الفترة المُقبلة, وذلك لكون أدوات الدين الحكومية تمثل النسبة الأكبر فى المحفظة البنكية لأغلب المصارف, ومن جانبه فإن قطاع البنوك يعتلى مكانة كبيرة فى البورصة المصرية حيث يشكِّل ما يقرب من 30% من رأس المال السوقى للبورصة المصرية, وعليه فإن التأثير السلبى المُحتمل على نتائج أعمال البنوك قد يطول أداء البنوك المُقيدة بجداول البورصة المصرية وبدوره قد يُقيِّد نسبيًا بعض تداولات السوق بصفة عامة. 


* الفاصل الزمنى لتأثير المتغيرات الاقتصادية:  


إن تأثير التغيرات الحاصلة فى المتغيرات الاقتصادية على النواحى المختلفة للنشاط الاقتصادى ومنها أداء أسواق المال يتطلب إلى نطاق زمنى, أو ما يُمكن وصفه بمرونة القرار الاقتصادى, وعليه فإن مرونة تأثير تخفيض الفائدة على تداولات البورصة المصرية قد يتطلب فترة زمنية حتى يتحقق تأكد المتداولين سواء الأفراد أو المؤسسات ويحدث التحرُّك الفعلى للسيولة المُنتظر تدفقها. 


الرؤية بين التفاؤل والتشاؤم


إن ما بين عوامل تدفع للتفاؤل وأخرى تدفع بالحذر, فإن ما يجب أن نتفق عليه أن استجابة السوق لأي قرار اقتصادي لا تتحقق بمطلقية هذا القرار, وإنما بالمُحددات المختلفة التى تحوط بهذا القرار, وكافة المضامين التى يحملها, وبأية حالة فإن قرار تخفيض الفائدة هو قرار جيد للبورصة المصرية سواء فى الأجل القصير أو الأجل المتوسط, إلا أن هذا يرتبط بضرورة استمرار المركزى المصرى لإجراء تخفيضات جديدة خلال الفترة المُقبلة, وأن يكون هناك مزيد من الشفافية فى تصريحات صنَّاع القرارت الاقتصادية على نحو يدعم الثقة لقدرة البورصة المصرية على تخطى التحديات التى تواجهها. 



د. محمد شلبى 

مدرس الاقتصاد بالأكاديمية الحديثة

عضو مجلس إدارة شركة عوض للاستشارات المالية

ads

إرسل لصديق

ads
ads
ads
كيف ترى القيمة العادلة لأسهم شركة فوري المقرر طرحها في البورصة؟وما هي توقعاتك للطرح؟

كيف ترى القيمة العادلة لأسهم شركة فوري المقرر طرحها في البورصة؟وما هي توقعاتك للطرح؟
Top