الميزان

اخر الأخبار
د. محمد شلبي
د. محمد شلبي

البورصة المصرية والخروج من وطأة النزيف

الخميس 26/سبتمبر/2019 - 09:23 م

تقديم

تمر البورصة المصرية فى الوقت الراهن بمرحلةٍ استثنائية وقاسية على نحو يدعوا إلى ضرورة حتميه لتكاتف كافة الأطراف ذات الصلة, والالتفاف نحو تأسيس استراتيجية بعيدة المدى لحماية هذه السوق من المخاطر المنتظمة, وخلق آليات أكثر فعالية لمواجهة مثل هذه المخاطر, حيث أن اضطرابات البورصة بهذا النحو يترك العديد من التداعيات السلبية لا سيما ما يتعلق بالمستثمرين الأجانب وتصدير صورة قاتمة تجاه الاقتصاد المصرى والاستثمار فيه, فضلاً عن الآثار التى تلحق بصغار المستثمرين خاصة.

من برنامج الإصلاح الاقتصادى إلى الإضطرابات السياسية
لقد مرَّت البورصة المصرية خلال مراحل متفاوته من برنامج الإصلاح الاقتصادي بالعديد من الضغوط, غير أن استقرار سوق الصرف الأجنبى وبدء المركزى فى انتهاج سياسة التوسع النقدى من خلال تخفيض مُعدلات الفائدة, وبعض العوامل الأخرى ذات الصلة بسيولة السوق بدأت البورصة المصرية فى التقاط انفاسها, وبدأت السوق تشهد أجواء من الاستقرار النسبى وعودة الثقة. إلا أن ما شهدته الأجواء الجيوسياسية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط فى الوقت الراهن, وما يرتبط بها بالمستوى المحلى أدت الى تعرُّض البورصة المصرية لإضطراب حاد, حيث خسر رأس المال السوقىِّ للبورصة المصرية عبر الجلسات الثلاث الأولى من الأسبوع المنصرِّم نحو 65,7 مليار جنيه أو بما يقرب من -9%, ومن جانبه فقد المؤشر الثلاثينى خلال نفس الجلسات ما يقرب من 1750 نقطة أو ما يعادل 10,6% تقريبًا, وذلك قبل أنا تُقلِّص البورصة خسائرها خلال جلستى الأربعاء والخميس ويربح رأسمالها السوقى نحو 23.5 مليار جنيه خلال الجلستين, ويرتفع مؤشر السوق .

حول الأسباب التى دفعت بإنحدار البورصة المصرية
بالنظر إلى أزمات بورصات الأوراق المالية بوجهٍ عام فسنجد أن أبرز الدوافع الجوهرية تكمن فى وقوع الأزمات الاقتصادية والمالية أو أية تغيرات من هذا القبيل, والتى من شأنها خلق حالة من عدم الاستقرار فى أداء النشاط الاقتصادى الكلىِّ, وفى اطاره تراجع أداء الشركات قيد الاستثمار وبالتبعية فقدان ثقة المستثمرين, أما بخلاف ذلك فإن البورصات لا تشهد عدم تراجعات وعدم استقرار إلا فى حالات الإضطرابات السياسية, وبالنظر إلى التغيرات التى تشهدها منطقة الشرق الأوسط وتدخل القوى السياسية العظمى فى وضع ترتيبات جديدة لهذه المنطقة الهامة فى العالم, فسيتأكد لنا وجود عوامل سياسية متشابكة ومُعقدة من شأنها أن تدفع بحالة عدم الاستقرار لبورصات الأسواق المالية بهذه المنطقة, وقد حدث ذلك بالفعل للبورصة السعودية فى الفترة التى اشتعلت فيها أزمة الكاتب السعودي جمال خاشقجي. وبالمثل ما شهدته البورصة المصرية مُنذ بداية الأسبوع كان نتيجة شيوع حالة من الإضطراب وعدم التأكد أدت بالتبعية إلى تراجع الثقة بالسوق والإنخراط فى عمليات بيع للأسهم بطريقة كانت شبه مُبالغ فيه إن صحَّ التعبير. 

البورصة المصرية والخروج من وطأة النزيف

إن اكثر الأمور اثارت شىء من الجدل مُنذ أن بدأ إنحدار البورصة المصرية هو أن اليوم الأول والذى خسر فيه رأس المال السوقى اكثر من – 35 مليار جنيه وتوقفت تداولات البورصة إجمالات لمدة نصف ساعة, كانت تقوده مبيعات المؤسسات المصرية, فى الوقت الذى كان فيه الأجانب والعرب مشترين, وبعد أن حاول السوق التماسك خلال الجلسة الثانية, جاءت الجلسة الثالثة لتشهد قوى بيعية جديدة من قِبل الأجانب والعرب وكأنه تبادل للأدوار بين القوى القائدة للبيع !

وهنا لا أجد تفسيرًا واضحًا لقيام المؤسسات المصرية بأخذ مُبادرة البيع, سوى أنها شعرت بقلق مُبالغ فيه دفعها نحو الخوف على قيمة الاستثمارات والأصول التى تُديرها, وهنا يُلام على تلك المؤسسات التملص من مسؤوليتها تجاه السوق فى مثل هذا التوقيت, وأنها قامت بدور تعميق الأزمة, حيث أن قيمة التراجع التى شهدتها البورصة مُنذ جلسة الأحد طبيقًا للأحداث الجارية كانت شبه مُبالغ فيها, ولم يكن هناك عاملًا جوهريًا يدفع نحو ذلك. 

ولعلى أُبرهِّن على ذلك بما شهدته الساحة الفرنسية فى اكتوبر من العام الماضى, حيث أن مؤشر البورصة الفرنسية CAC40 لم يفقد سوى 700 نقطة خلال ثلاثة أشهر كاملة, وذلك على الرغم من قوة الأحداث السياسية التى شهدتها العاصمة الفرنسية والتداعيات التى خلفتها, وهنا نجد أن المؤشر الرئيسى يفقد ما يزيد عن 1500 نقطة فى ثلاث جلسات فقط. 

الحاصل أن القوى البيعية التى شهدتها البورصة المصرية خلال هذه الجلسات كانت على ما يبدو أنها مُبالغ فيها, ولا تعكس بصورةٍ جوهرية ما تشهده الأجواء المُحيطة بالسوق, سواء على الصعيد الاقتصادى أو السياسى. 

آليات الخروج من الأزمة والنظره المستقبلية 

بصورةٍ مؤسفة دعونا نتفق أن الحالة المتردية التى وصلت إليها البورصة المصرية الآن تحتاج الى وقت طويل لإستعادة ما تمَّ خسارته, وأن ما حدث فى أيام قليلة يجعلنا نعود إلى نقطة حاولنا تخطيها بصعوبة الفترة الماضية, ولكن ألاهم فى هذا الوقت ضرورة البحث بصورة عاجلة فى الآليات التى يمكن بها الخروج من الأزمة وما يجب فعله من ترتيبات فى المستقبل القريب والبعيد. 

إن ما يجب فعه عاجلاً هو خروج مسؤولى البورصة وسوق رأس المال خاصةً, والحكومة عامةً للحديث إلى المستثمرين والمجتمع الاقتصادى برمته, والحديث بثقة وإطلاق رسالة بقدرة مؤسسات الدولة على إحتواء الأزمات العارضة, أما الأمر الثانى هو ضرورة قيام المؤسسات وصانعى السوق بترجمة ذلك من خلال خلق قوى شرائية مُتماسكة وقادرة على مواجهة التحركات البيعية, أما الأمر الثالث ضمن الآليات السريعة فى مواجهة هذا الموقف يتمثل فى الحد من معاملات الشراء بالهامش. 

 أما بشأن الترتيبات التى يجب البدء فيها على المستوى الاستراتيجى, فهى تكمن فى مجموعة الإجراءات التى من شأنها كبح هشاشة السوق المصرية من الأساس, والدفع بدعائم بيئة مؤسسية قوية لهذه السوق, وهنا نرى ضرورة تاسيس صندوق سيادى قادر على احتواء حالات الإضطرابات العارضة التى قد تمر بها البورصة المصرية, وليقوم مثابة أداة فعالة لإدارة مخاطر السوق المنتظمة, على جانب آخر لابد من تبنى المؤسسات القائمة على البورصة المصرية لإستراتيجية تسويقية كفء, سواء على المستوى المحلى أو على المستوى الأقليمى والأجنبى. 
هذا ونُضيف لذلك ضرورة طرح آليات بموجبها تقوم الشركات المُقيدة ذاتها بمقام صانع السوق, بحيث تقوم هذه الشركات بالدخول فى مثل هذه الحالات الإستثنائية كمشترى لأسهمها, على أن يكون لهذه الشركات صندوق خاص لإدارة مثل هذه المخاطر, وهذا كنوع من خلق محاور متكاتفة بمقدورها مواجهة القوى البيعية الإستثنائية أو حتى الموجهه. 


وأخيراً فإننى أؤكد على أن البورصة المصرية تستحق تعاون وتفاعل كافة الأطراف المعنية للعمل الجاد نحو الإصلاح المؤسسى والتنظيمى لهذه السوق, بصورةٍ تدفع بمزيد من الثقة بعيدة المدى لدى كافة أطياف المستثمرين, سواء على الصعيد المحلى أو الأجنبى.
د. محمد شلبى
 
مدرس الاقتصاد بالأكاديمية الحديثة
 
عضو مجلس إدارة شركة عوض للاستشارات المالية



إرسل لصديق

ads
كيف ترى القيمة العادلة لأسهم شركة فوري المقرر طرحها في البورصة؟وما هي توقعاتك للطرح؟

كيف ترى القيمة العادلة لأسهم شركة فوري المقرر طرحها في البورصة؟وما هي توقعاتك للطرح؟
Top