الميزان

اخر الأخبار
محمد نصر الحويطي
محمد نصر الحويطي

الصحافة في مصر..من يمد رجله..لا يمد يده..!!

الخميس 09/أغسطس/2018 - 03:29 م

لما قدم "إبراهيم باشا" بن محمد علي حاكم مصر إلى الشام ودخل المسجد الأموي كان عالم الشام الشيخ "سعيد الحلبي" يلقي درسا في المصلين. ومر إبراهيم باشا من جانب الشيخ، وكان مادا رجله فلم يحركها، ولم يبدل جلسته، فاستاء إبراهيم باشا، واغتاظ غيظاً شديداً، وخرج من المسجد، وقد أضمر في نفسه شراً بالشيخ.


وما أن وصل قصره حتى حف به سدنته ومريديه من كل جانب، يزينون له الفتك بالشيخ الذي تحدى جبروته وسلطانه، وما زالوا يؤلبونه حتى أمر بإحضار الشيخ مكبلا بالسلاسل،وما كاد الجند يتحركون لجلب الشيخ حتى عاد إبراهيم باشا فغير رأيه، فقد كان يعلم أن أي إساءة للشيخ ستفتح له أبواباً من المشاكل لا قبل له بإغلاقها،وهداه تفكيره إلى طريقة أخرى ينتقم بها من الشيخ، طريقة الإغراء بالمال، فإذا قبله الشيخ فكأنه يضرب عصفورين بحجر واحد، يضمن ولاءه، ويسقط هيبته في نفوس المسلمين، فلا يبقى له تأثير عليهم.


أسرع إبراهيم باشا فأرسل إلى الشيخ ألف ليرة ذهبية، وهو مبلغ يسيل له اللعاب في تلك الأيام، وطلب من وزيره أن يعطي المال للشيخ على مرأى ومسمع من تلامذته ومريديه، وانطلق الوزير بالمال إلى المسجد، واقترب من الشيخ وهو يلقي درسه، فألقى السلام، و قال للشيخ بصوت عال سمعه كل من حول الشيخ : هذه ألف ليرة ذهبية يرى مولانا الباشا أن تستعين بها على أمرك، فنظر الشيخ نظرة إشفاق نحو الوزير، وقال له بهدوء وسكينة: يا بني، عد بنقود سيدك وردها إليه، وقل له: إن الذي يمد رجله، لا يمد يده.


زملاء مهنة الصحافة الكرام.. أستحلفكم بالله ألا تمتعضوا مما سأقول.. فجميعنا يراه واقعاً صادماً.. وجميعنا يدفن رأسه في الرمال حرجاً و"قلة حيلة"..

 

بكل أسف أقولها ويعلم الله أن نياط قلبي تتقطع كمداً على ما آلت إليه أحوال الصحافة في مصر، فقد أصبح من الطبيعي أن ذلك الصحفي الذي تعلم وصبر وأفنى عمره بين الدراسة ثم التدريب ثم العمل بأجر مرة وبدون مرات، وتعب أهله وأنفقوا عليه وعلموه وهيأوه لينال مهنة محترمة، أصبح من الطبيعي جداً أن يتعامل معه رئيس شركة أو مدير بنك أو مسئول في إحدى الجهات أو كما نسميه في عالم الصحافة (مصدر) بعجرفة وتعالٍ، بل مع الأسف بات طبيعياً أن تتعامل مديرة مكتب المصدر أو مسئولو العلاقات العامة مع هذا الصحفي بلامبالاة!


أتدرون لماذا؟! لأنهم جميعاً يدركون أن الصحفي في هذه المؤسسة أو الفضائية أو الإذاعة ما هو إلا ركن ضعيف، سهل ترضيته هو ومؤسسته الإعلامية – من وجهة نظرهم-، فبعض الشركات والمؤسسات المعلنة أصبحت على قناعة بأنها تتعامل مع الصحف بمبدأ العصا والجزرة.. يدركون سطوتهم في منح الإعلانات والهدايا للصحفي وللصحيفة الفلانية، كونها ومن فيها مطيعين متعاونين، ومنع الإعلانات والعطايا عن الصحفي والصحيفة الفلانية، كونها ومن فيها "يمدون أرجلهم" أمام الجميع.. فيا لهم من مستغنين!


الواقع الصادم يقول إن ما أصبحت فيه الصحافة ومؤسساتها الكبيرة والصغيرة اليوم من ضعف وهوان، سببه الأول أن هذه المهنة لم تعد تستمد قوتها من "المتلقي".. نعم.. القارئ يا سادة هو مصدر قوة الصحافة وعضدها وسيفها، أصبحنا اليوم نسترضي المصادر من البشاوات والبهوات والمديرين ورؤساء مجالس الإدارات على حساب القارئ، وعلى حساب أنفسنا، لأجل الإبقاء على حصتنا في تلك الإعلانات التي يقدمونها، كي نستطيع أن نواجه متطلبات الصحف من الطباعة والرواتب والبيوت المفتوحة للعاملين داخل كل مؤسسة صحفية.. بل وأصبحنا ندرك أن المهنية والعناوين الملفتة, وتفجير قضايا الفساد في المؤسسات الخاصة على وجه التحديد ما هي إلا (طق حنك)، ونخشى إغضاب المعلنين.. بل إن كل واحد منا أصبح يقول بينه وبين نفسه (ضع رأسك يا ولد بين الرؤوس.. وقل للسياف اقطع)، فليست رأسك أحسن من رأس فلان أو عِلان!


قضايا فساد الشركات والأندية والبنوك التي كنا نشتري الصحف قديما لنقرأها ونتابع تفاصيلها، اختفت.. بل تلاشت من على صفحات الجرائد ومواقعها الإلكترونية، اللهم بضع مناوشات، إما نكاية في شركة لإرضاء أخرى، أو تهديداً مستتراً لتحسين التفاوض في حجم الحصة الإعلانية.. كلامي صادم.. أليس كذلك؟! هكذا دائماً الحقيقة..


وبعيداً عن جلد الذات، فإننا جميعا ندرك أن حال الصحافة والإعلام جميعه في مصر أصبح يرثى له بل "يُلطم عليه".. فغالبية المؤسسات الصحفية أصبحت مهترئة، وهنة، مديونة، وأصبحت الصحف والمواقع الإلكترونية الإخبارية المتخصصة منها والعامة أكثر من عدد القراء والمهتمين بمطالعة الأخبار في مصر، والأدهى أن جميعها تنتظر الإيرادات من جانب واحد وهو "الإعلانات"، اللهم بضع مؤسسات خاصة ينفق عليها بعض رجال الأعمال أو جهات مستترة لأغراض في نفوسهم، ومع تنامي خسائرها بدأوا في التخارج منها أو إغلاقها، وفي المقابل أمسى لمواقع التواصل الاجتماعي سيطرة تامة في الترويج والتسويق، فلك أن تتخيل أن الشركة المعلنة تستطيع أن تدفع بضع مئات من الدولارات لتصل بمنتجها إلى أكثر من 200 مليون شخص عبر (فيس بوك)، أو تنشر إعلاناتها على (جوجل أدسينس) الذي تعتبر قيمة الـ 1000 مشاهدة للإعلان عليه داخل مصر من أرخص قيم المشاهدات في العالم، أو (جوجل أدوورد) على (يوتيوب) الذي يمنح المعلن تفضيلات واختيارات مدهشة في نشر وترويج منتجه, ناهيك عن حجم الأخبار والأحداث المتلاحقة (المجانية) التي جعلتنا غير قادرين على الاستغناء عن هذه المواقع الاجتماعية.. ثم يأتي بعد ذلك من يدهشك بقوله: (نريد رفع أسعار الصحف لمواكبة زيادة الأسعار وتكاليف الإنتاج)!!


مع تنامي وتطور أساليب الترويج والتسويق على مواقع التواصل وغيرها، أصبحت الكثير من الشركات المعلنة في مصر تنتقي بعناية من تمنحه الإعلان في صحيفته أو موقعه، فهي تعلم جيداً أن إعلانات الصحف لم تعد ذات جدوى بشكل كبير كما هو الحال في السوشيال ميديا والفضائيات الكبرى مثلاً، لكن تظل علاقة الشركات المعلنة مع الصحف يحكمها نوعان من التغليب، إما تغليب الصداقة والمحبة والتودد والتراضي المتبادل الذي يربط الصحفي ومؤسسته من جهة والمسئول بالمؤسسة المعلنة من جهة، وإما تغليب المصلحة و"شراء الدماغ" من جانب المؤسسة المعلنة لتلافي الصدام مع المؤسسة الصحفية في أي وقت.. وفي كلا الحالتين لا مكان للمهنية كمعيار لاختيار المؤسسة الصحفية منصة للإعلان، ولا مكان للمسالمين "المستغنين" ممن يمدون أرجلهم دائما أمام الجميع.. لكنهم لا يمدون أيديهم!



إرسل لصديق

ads
ads
ما تأثير تعديل سعر الدولار الجمركي على الأسواق؟

ما تأثير تعديل سعر الدولار الجمركي على الأسواق؟
Top